صديق الحسيني القنوجي البخاري
346
فتح البيان في مقاصد القرآن
السماوات والأرض اتباعا للعالم الأصغر بالعالم الأكبر ، والمطلوب بذكر هذه الأمور دفع كفر الكافرين بالبعث ورد جحودهم بما هو مشاهد لهم لا يمترون فيه . ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ جاء بكلمة ثم لما بين خلقهم وبين موتهم من التفاوت فهي للترتيب الزماني على أصلها ، وقضى بمعنى أظهر ، وهي صفة فعل وإن كان بمعنى كتب وقدر ، فهي للترتيب في الذكر لأنها صفة ذات وذلك مقدم على خلقهم . وقد اختلف السلف ومن بعدهم في تفسير الأجلين فقيل قضى أجلا يعني الموت وأجل مسمى القيامة والوقوف عند اللّه ، وهو مروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك ومجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم وعطية والسدي وخصيف ومقاتل وغيرهم ، وقيل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت ، والثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ وهو قريب من الأول . وقيل الأول مدة الدنيا والثاني عمر الإنسان إلى حين موته ، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وقيل الأول قبض الأرواح في النوم ، والثاني قبضها عند الموت ، وقيل الأول ما يعرف من أوقات الأهلة والبروج وما يشبه ذلك والثاني أجل الموت ، وقيل الأول لمن مضى والثاني لمن بقي ولمن يأتي ، وقيل إن الأول الأجل الذي هو محتوم ، والثاني الزيادة في العمر لمن وصل رحمه فإن كان برا تقيا وصولا لرحمه زيد في عمره وإن كان قاطعا للرحم لم يزد له . ويرشد إلى هذا قوله تعالى : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [ فاطر : 11 ] وقد صح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن صلة الرحم تزيد في العمر وورد عنه أن دخول البلاد التي قد فشا بها الطاعون والوباء من أسباب الموت ، وقال مجاهد وسعيد بن جبير : الأول أجل الدنيا ، والثاني أجل الآخرة ، وجاز الابتداء بالنكرة في قوله : وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ لأنها قد تخصصت بالصفة . ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ استبعاد لصدور الشك منهم مع وجود المقتضى لعدمه أي كيف تشكون في البعث مع مشاهدتكم في أنفسكم في الابتداء والانتهاء ما يذهب بذلك ويدفعه ، فإن من خلقكم من طين وصيركم أحياء تعلمون وتعقلون ، وخلق لكم هذه الحواس والأطراف ثم سلب ذلك عنكم فصرتم أمواتا وعدتم إلى ما كنتم عليه من الجمادية لا يعجزه أن يبعثكم ويعيد هذه الأجسام كما كانت ويرد إليها الأرواح التي فارقتها بقدرته وبديع حكمته . وَهُوَ اللَّهُ أي هو المعبود بحق أو المالك أو المتصرف فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ كما تقول زيد الخليفة في الشرق والغرب أي حاكم أو متصرف فيهما كقوله : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] وهو المعروف بالإلهية فيهما أو هو الذي يقال له اللّه فيهما .